المقريزي

172

المقفى الكبير

عليّ ابن الحاكم ، فقدمها في المحرّم سنة أربع عشرة وأربعمائة . فخافه حسّان بن مفرّج ، وكانت له معه حروب كثيرة كان له في جميعها الظفر . فنمّى عليه حسّان وأغرى به الوزير حسن بن صالح الروذباريّ فتوغّر صدره عليه ، وسعي به إلى أن قبض عليه بعسقلان في سنة سبع عشرة وأربعمائة . فقام في أمره الأستاذ سعيد السعداء صاحب القلم عند الظاهر ، إلى أن أعاده إلى الخدمة ، وردّ عليه إقطاعه وأمواله . ولم يزل بالقاهرة إلى أن فسد أمر بلاد الشام بتغلّب العربان عليها . واقتضى الحال إخراج عسكر من القاهرة فعيّنه الوزير عليّ بن أحمد الجرجرائيّ [ 224 ب ] وأقامه على العسكر وكتب [ 229 ب ] له أمير الجيوش وأطلق له خمسة آلاف دينار وأصحبه صدقة ابن يوسف الفلاحيّ ناظرا في الأموال ، وذلك في ذي القعدة سنة تسع عشرة وأربعمائة . وخرج في سبعة آلاف فارس سوى العرب والرجّالة . وركب الظاهر إلى وداعه . وسار إلى الرملة ثم إلى القدس ، وجمع العساكر ، وحارب حسّان بن مفرّج وأوقع بصالح بن مرداس ، فانهزم منه حسّان ، وقتل صالح ، واستباح عسكريهما . وبعث بذلك إلى المستنصر فأجيب بالثناء والشكر ، وزيد في ألقابه : منتخب الدولة ، سيف الإمامة ، عدّة الخلافة ، مصطفى الملك . وسار بعد هذه الوقعة إلى حلب فحاربه صاحبها شبل الدولة صالح بن نصر بن مرداس على حماه . فقتل في سنة تسع وعشرين ، وحمل رأسه إلى القاهرة . وعاد الدزبري إلى دمشق ، ثم سار عنها إلى حلب ، وملكها . وقد كتب له المستنصر بمملكة حلب ملكا ، فأحسن إلى أهلها . واستولى على بالس ومنبج . ثم عاد إلى دمشق . وكانت بينه وبين الروم في سنة ثلاثين وأربعمائة حروب ظفّره اللّه فيها ونصره . وبعث إلى الخليفة المستنصر باللّه نزار ابن الظاهر بخبر ذلك . فأجيب بالثناء عليه والشكر منه وزيد في ألقابه : عدّة الإمام . ولمّا عظم شأنه اطّرح الوزير الجرجرائيّ وقصّر به ، فغضب من ذلك . وظهر في سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة بقلعة حلب نصف رأس زكريا النبي عليه السلام ، في جرن من رخام مكتوب عليه اسمه ، وهو باق بلحمه . وكان هذا الرأس ظهر في أرض طبريّة وحمل منها إلى حلب في أيّام سيف الدولة بن حمدان ، وجرت بسببه حرب بين سيف الدولة وبين عساكر المصريّين غلب فيها سيف الدولة وحمله إلى حلب . فبنى عليه الدزبري ضريحا . وسار إلى أرمناز « 1 » وجاهد الروم مرّة ثانية واستخلص منهم عدّة من المسلمين كانوا عندهم في الأسر . وعاد إلى حلب . ثم سار منها إلى دمشق في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة وأقام بها وشرع في بناء الإمارة بها . فاتّصلت به أمور من جهة مصر ، وأنّ الجرجرائيّ في التدبير عليه . فاقتضى ذلك نفوره ، وأعمل الحيلة في المسير إلى حلب . وأحسّ به العسكر فثاروا عليه وقاتلوه ونهبوا دار الإمارة بدمشق ، فانهزم ليلا وخرج إلى حلب فوافاه بها كتاب المستنصر يتضمّن مخاطبته بغير ألقاب ، ويقبّح عليه فعله ، ويزري به ويعدّد مساوئه ويهدّد تهديدا كثيرا . فأجاب وهو يطلب العفو واعتذر عن مسيره إلى حلب . فلم يقم غير ليال قليلة ومات يوم الأحد رابع عشرين جمادى الأولى سنة ثلاث « 2 » وثلاثين وأربعمائة . فدفن

--> ( 1 ) أرمناز : على خمسة أميال من حلب . ( 2 ) في الاتعاظ 2 / 188 : نصف جمادى الآخرة 432 . وفي -